بدايةً أستطيع القول بأن الأحوال المدنية خطت خطوات واسعة للأمام، فلم تعد بحاجة لذلك المبنى المكون من عدة طوابق، بل استعاضت عنه بتلك المباني الأرضية الأقرب في تصميمها للبنوك، بحيث صار عداد الأرقام في عدة أماكن من ذلك الفناء الذي تتربع فوق أرضِيَّتهِ عدد كبير من الكراسي المرتبة بنسق جيد، في سابقة تحسب لدائرة الأحوال المدنية.
لكنك حينما تتقدم لتجديد بطاقتك المنتهية على سبيل المثال، فعليك أن تمر بعدة مراحل يبدو أنها لن تنتهي قبل غروب شمس اليوم التالي، أشدها قسوةً على الفؤاد المسكين هو انتظار دورك على باب مكتب الأخ المصور، فهناك بقايا من المواطنين موجودون من يوم أمسٍ بانتظار المصور العالمي الذي لا يلتقط صُوَرَهُ إلا ما بين التاسعة صباحًا والحادية عشرة ظهرًا؛ بانتظاره أن يلتقط لهم صورةً قد تعرض في أحد الأيام في أحد أجنحة متحف اللوفر بباريس إلى جوار رسومات ليوناردو دافنشي.
وبعد أخذ تلكم الصورة الرائعةَ بالطبع، وعند التوجه لنافذة تسليم البطاقات، تسمع بأذنيك تلك الكلمات المزمنة التي لا تكاد تخلو منها دائرة حكومية في مملكتنا الحبيبة، وهو في الوقت ذاته أفضل عذر للموظفين الحكوميين للتخلص من أكبر قدر من المراجعين، والخلود للراحة قبل نهاية الدوام: ( الجهاز خربان ) أو ( طابعة البطاقات معطلة ) ثم يختم احدهم عذره القبيح بكلمتين نذوق مرارتها بشكل مستمر : ( راجعنا بكرة ).
يتمنى أحدنا عند دخوله إلى هذه الدائرة الحكومية؛ أن عمره بقي ثابتًا كي لا يضطر لتجديد هويته، أو أنه لم يتزوج، أو أنه بقي عقيمًا كي لا يضطر لمراجعة مثل هذه الدائرة الحكومية، وإن كنت لأظن أن هذه هي أماني موظفي الأحوال المدنية أيضًا.
أخيرًا؛ متى يأتي ذلك اليوم الذي يصبح فيه الموظفون بعدد المراجعين، والمراجعون بعدد الموظفين.
.
.
السبت, 26 جمادى الأولى, 1429
عندما يخطر ببالك يومًا ما، وعندما تفكر في لحظة من لحظات عمرك السعيد؛ وعندما تكون متهورًا لدرجةٍ تعقدُ فيها العزمَ على أن تقوم بزيارةٍ لتلكَ الدَّائرةِ الحكومية، المسماة بالأحوالِ المدنيةِ، عندها فقط يجب أن تستعدَّ جيدًا لِدُخُولِ معركةٍ ضَروس ، قد تفقد خلالها الضُروس والأنياب، وقد تُنهِي بدخولك تلك الدائرة الحكومية مرحلة الشباب، بل قد تجبرك تلك المخاطرةُ على مراجعة المصحة النفسية للعلاج من آثار تلك الصدمة القوية لسنتين قادمتين.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.







